لا أحد منا يدرك عمق الثقافة التي تؤثر فينا سلبا وإيجابا، لأنه لا أحد منا قد أدرك قيمة ما يملك من حرية ولو كانت بسيطة على أرض القراصنة، إننا حين نتحدث ونفكر ونجري الكثير من العمليات العقلية، فنحن أقرب إلى عقلنة الوجود منه إلى فهم الموجود، ومع ذلك إنك حين تتحدث وتعبر عن أفكار ولدت بداخلك ذاتيـــا، فإنك تخطو خطوات هامة كقرصان.
التفكير جريمة على أرض القراصنة، وعقوبتها الإعدام رميا بالتهميش والإقصاء، ستبدو مجنونا استهوى جنونه وأحبه إن ما كنتَ “قرصانا مفكِّرًا”، لا دخل للبيئة في هذا لأنّ القاعدة العربية البسيطة تقول: من شبّ على شيء شابَ عليه، ومع ذلك فإن قيمة الإنسان في أفكاره، وهي التي تحدد مصيره ومكانه، ولا أحد من الناجحين الذين قرأنا عن قصصهم من خلال الكتب، أو عاصرناهم، لا أحد منهم قد وصل إلى ما وصل إليه بأفكار غيره، صحيح قد يتخذ البعض من هؤلاء ملهمين، لكن علينا أن نتذكر بأننا نولد فرادا، نحيى فرادا، ونموت فرادا، والقبور فرادا أيضا.
بين زخم النجوم يوجد قمر وحيد، ألا تلاحظون ذلك؟
بين جيش القراصنة الموجودين على ظهر السفينة الواحدة هناك قبطان وحيد، ألا تعتبرون من ذلك؟ لا أحد منا يعيش حياة بالمجان، لا أحد يعيش حياة سهلة، كلنا نجتهد في صناعة الرفاه، لكن البعض القليل منا من ينجح في تحقيقه فعلا وقولا؛ من مآسينا على أرض القراصنة أننا نسكن قُرَاهَا، والقرية التي يسكنها القراصنة ليست هي تلك القرية على الطريقة الأوربية، سهول وجبال وغنى بالطبيعة والمصداقية، ولا هي على الطريقة الأميركية تحدي ومغامرات وابتكارات وصراع من أجل اخضاع الطبيعة للإنسان، ولا هي على الطريقة الآسيوية هدوء وفسحة لترتيل الروح عبر ترتيبها من جديد قطعة بقطعة، ولا هي على الطريقة الأفريقية كل حجر منها يروي حكاية غارقة في القِدَم.
قرية القراصنة هي معبد قديم يسكنه أناس لا يعتبرهم الكثير من الأقوام بشرا، مفتقدين إلى الضرورات الأساسية للحياة، تراهم كالأحياء لكن لا يملكون من الحياة سوى تلك العملية التنفسية التي تحدث لا إراديا منهم، مع العلم أن الهواء بالمجان أيضا.
لا ماء ولا كهرباء، لا غطاء ولا غذاء على هذه الأراضي الجرداء، بينما الأفكار فيها مصدرها الخرافات أو من تديُّنٍ مغلوط، وتكفي فتوى منمقة العبارات أن تكون سببا كافيا لذبح الكثير من السكان قربانا لآلهة اللا-مكان و اللا-زمان. الداخل إلى قرية القراصنة مفقود، لأن الجهل فيها بلا شك موجود، والخارج منها سالما معافى البدن والعقل هو مولود، بلا مجاملات: احذروا من هذه الأقطار!
في يوم جميل المحيّا جلستُ بجانب سكة حديد فرنسية، محاولا إعداد نفسي من أجل التزيّن والبهرجة مستقبلا الحياة من جديد، جاء قطار أيامنا مسرعا نحو قريتي يكسر بقطعة نوره الأمامية صمت الظلام الدامس الذي غزا القلوب قبل المباني وشوارعها، لم أجد أمامي وهو يهم بالتوقف داخل محطة فرنسية قديمة مهجورة منذ أمد بعيد، سوى قطيع بشريّ كل واحد منهم يعتقد أنّه الإنسان الوحيد الذي يفهم كلّ الأمور، والبقية جهلة لا يفهمون ولا يفقهون، عندها تساءلتُ: هل أنــا حيّ بالفعل؟ أم أنني أحلم بين الموت والمنام؟
في قضايا كهذه لا تسترجع ذاكرتي سوى الأخ هرميب (Hermippe)، فهو الوحيد الذي يمكنه أن يجعلني الثامن عشر من حكمائه المدهشين.
يا هرميب..
أعرف بأنني قرصان يحاول التمرد على فكر القراصنة وحياتهم، أعرف وأعترف بأن تلك العادات والأفكار التي تخصهم قد أخذتها عبر مراحل تربيتي كما أنتَ تجرعتَ الحكمة، وكنتُ وفيا لهذه التقاليد المثقوبة والعادات البالية كما أنتَ اليوم وفيٌّ بدهاء لحكمة قومك ومعتقداتهم. أبحث فقط عن فرصة للتمرّد، واعذرني إن كنتُ من أرض أنجبت غريبا من رحم كامي ألبير، لم يمشِ في جنازة أمه حزينا.
أعترف بأنني قطعتُ أشجار الروح هربا منه، ودنست النفس سخطا عليها، وأهنتُ نفسي طمعا في العلياء، وخذلتُ الجميع إكراما لذاتي التي لا تعرف من هي بالفعل. أنا اليوم أعترف بأنني لا أتمدد إلى العرب سوى عبر لسانهم الذي سكنني قهرا لا رغبة، وأرجع إلى الفرنسيين بعاداتهم التي أحاطت بي بلا اختيار، متطلعا نحو التاج الانجليزي كهِواية فقط.