هل فقد العَلَمُ المرفرف بفعل تمركزه وسط الساحة هيبته؟ هل بفعل تحيّته الصباحية فقد رمزيتهُ أم أنّ الأمر يرجعُ إلى جبرية التحية لا تواترها الصباحي؟ لِما الصباحُ بالذّات؟ لما نسمعُ منذ سنين خلت شريط فيروز المكرّر؟ هل فعلاً فيروز هي الصباح؟ أم أنّ الصباح ارتبط بفعل التباعية بشدى فيروز؟ لما يخلعُ التلميذُ ميدعته فور خروجه من المعهد؟ هل أنّ ارتداء الميدعة يفرض الاحترام؟
بدأت أعي نوعًا ما ما يجري تحت طاولة الكبار وفي مجالس المثلّثات وربّما قد أفكّ لغز سقف الاهتمامات العامّة وإشهار القهوة على شاشة التلفاز بعد كلّ نشرة مسائية، إن أزمة الكافيين قد خدّرت بالتالي الإحساس حتى بالوطنية عند تحية العلم المُفدّى..
كونكّ “شحّاتٌ” حقيقة لا ريب فيها. تجوب أنهج وشوارع المدينة، تبحث في تفاصيلها عن شيء يُدعى “الوطن”. قد عرفتهُ صغيرًا أرعى ماشيةً هزيلةً بين تلك التلال البعيدة يصرخ بشدّة إلى درجة انعدام الصدى رغم التجويف العميق بالمكان هناك.
وإن لمن شدّة الأزمة لم يعد لتقلّب الليل والنّهار من اعتبار ضمن لوائح الترتيب المنشورة، فالحقيقة نفسها لا يغيّرها الفجر البسّامُ بانبلاجه ولا تُسكنُها خيوط اليل حين تُكسى برفق بين تجمعات سُحب الخريف المتفرقة. ترى الجبال من حولك في تسلسلٍ تصدّ انتشار الخبر وتمنعُ بحزمٍ تفشي فضيحة تلاشي الوطن. وكأن فعل تواتر الخيبات يحملُ في طيّاته مشروع انتقامٍ مسطّرٍ بإحكامٍ.
هل لمجالس المثلّثات وإشهار القهوة من مصلحة في إفشال محاولة القطع مع الشكلية والخوض في صُلبِ التحديات؟
إن لمن أشدِّ درجات التعدي التي عايشتُها تلك التي حادت بروح الحقّ المنشودِ الذي تُشكّله مجالسُ المثلّثات حسب رغباتها من خلال قوّة إعلامية سلبت استحقاقًا شعبيًا أمام ناظر الأمّة.
لذا دعك من مبحث العمل فاتحة كتبنا المدرسية المُلوّنة كطيف السماء وهي لا تزيدُ في الحقيقة عن معنى إختزال قيمة الإنسان لا في التحقيق والتحقُّق من خلال فعل الإرادة بل هي تسويغٌ مُملٌّ لمفهوم الخبز واقترانها المشروط عادةً بالكرامة.
لم أفهم بعدُ وقد استعصى عليَّ الأمرُ, إن كان الخبز تفعيلاً للكرامة فما جدوى الموت إذن؟ فلتُبنى على شرف الإنسانية المطاحنُ الكبرى ولينعم الإنسانُ، هنيئًا لهُ كرامة الخبز المغلوطة. وهو على ما أزعم أنا الذي ركنت منذ مدّة في زاوية الحجب جبرًا لا طوعًا أنّ الأمّة لا تنفعها قطّ منهجية الخبز وعصيدة الاستهلاك، فقد أشارت بارونات التحكّم في إرادة الشعوب وتدرجة تفكير الرعية على خطّ تحرير الأحداث باختزال همّ الرّعية في مثلّث الطحين والمنجل والملح في تجاهل مطلقٍ واحتقار مقصود لمكسب الإنجاز وكونية التجاوز والتغريد خارج نطاق الأحكام والأعراف، وهي لعمري إلاّ استدراجٌ غبيٌ وخرق نموذجيٌ لكلّ مقاييس التقيم الإنساني لواقع الأمور وتعدٍ على الخصوصية المفقودة ربّما بفقدان ملكة (الفتحة على اللّام) الاختيار.
وإنّ داء الزعامة الذي على ما يبدو أنّه سببُ هذا القدر من الاندفاع نحو تحريف مفهوم الكرامة واختزاله في الخبز فقط هو تمهيدٌ ثاني للإطاحة بالمجلس المثلّثات فمن خال أنّ الزعامة هي مجرّد استبدادٍ بالسلطة فهذا فهم مغلوط بدائيٌ وطرحٌ قد تجاوزته التجربة الإنسانية منذ أن درّب الإنسانُ نفسهُ على ثقافة الجماعة والتشارك.
يحسبونها عرشًا ومُتكأً وثيرًا، أتدري ما يحصلُ ساعة الهزيع الأخير من كلّ ليلة؟ تلعنكم بفعل جبروتكم ألسنة الأمّهات والجدّات، والحساباتُ البنكية للموظفين في سادس أيّام الشهر إثنى عشر مرّة على التوالي. أتدري ماذا تردّد الجدّات في صلواتها؟ تقول بفعل فرط حزمكم المفرغ, ربي بارك لسلطاننا سعيهُ في سبيل أمّته.. أتدري أنها لعنة مشفرةُ المعاني. داءُ الزعامة بلية الشعوب التي تجاوزتها مرحلة الإنجاز.
ربّما يقول أحدكم وما دخلُ الشعوب بتسلّط سلاطينها؟ فأجيبُ, إن النّاس عبيدُ الحياة، وهي العبودية التي تجعلُ أيّامهم مُكدّسةً بالذلّ والهوانِ ولياليهم مغمورةً بالدموع والشكوى. نحن من صنعنا جلّادنا واصطفيناه بسذاجتنا بما اكتسبناهُ من حاجة للقيادة بانسياقٍ أعمى وراء قوّة الصورة وبهرج البروتوكولات.
بليةُ الوطنِ المسكين “حاكمٌ جائرٌ وعالمٌ فاجرٌ” وعبيدٌ أقربُ إلى توصيف الحمق والسذاجة.